آمنتُ بالطيور .. بالجناحين التي تجعلكُ تتحررّ من الجاذبية .. تختارُ وطنك ، تولد مفطور على حُب كُل العالم .. لا يفصلك عن أحلامك الا السماء .
آمنتُ بالقلب .. الذي يدفعك إلى أن تمسح على رأس متعب , أن تعانق محتاج .. الذي يرتجف خوفًا على من لا يملكُ سقفًا و أمان ، القلب الضعيف .. الذي يحثه ضعفه على أن ينسى المستضعفين .
آمنتُ بالجمادات .. التي لا تتغيرْ ، لا تنساك .. لا تمنحك وعودًا بالبقاء بجانبك .. لكنها أخيرًا تبقى حتى بعد أن تموت .
آمنتُ بالأطفال .. التي لا يعرفُون إلا السلام .. و أحلمُ بالطفولة الخالدة .. لأني أعرفُ لو أننا لم نكبر ، لم تكبر الحروب .. و لم تخلق العنصريّة .
آمنتُ بالفطرة .. التي تدفعك لحبّ الله .. توحيده ، احسان الظنّ بالناس ، الأمان مع النفس .. و الاعتكاف الهادئ .. الرغبة في تأمل السماء , في العالم الكبير , أكثر من شاشة صغيرة تضيق بالعالم .
آمنتُ بالكثير من الأشياء ، و حلمتُ أن يؤمن بي أحد ، يؤمن بروحي كأنهُ يراها .. بقلبي و كأنهُ ينبض بين يديه .. يؤمن بالأشياء التي لا أقولها ، قبل التي أقولها و بالأشياء التي سأفعلها كأنني فعلتها , بأحلامي كأنها حقيقة , و بمستقبلي كأنهُ حاضر .
*أفنان عبد الله
مرت السنوات .. أخذت اللون الأسود من شعره ، و تركت قلبه يتلعثمُ في كل مره يراها .. كأنه أول مره يقابلها ، بل كأنها أول مره تحطّ عينيه على مرأة .. يدفنها اليوم ، تتغير ملامحه في ذات اللحظة ما بين الارتياح و الألم ، ممتن أنها لن تتحملُ الحياة بعده ، و متعذب على الأيام التي سيقضيها بدونها .. يتأمل التراب ينسكبُ عليها .. يريدُ أن يزيحه عنها .. أن يغطيها بملاءة بيضاء ، لم يكن ساخطًا على القدر ، لقد جمعهما .. بلقاء روتيني ، بسيط ، لم يحتاج لخطط مدروسة ليحبها ، لم يحتاج لجو بديع و حديقة ليحبها ، لم يحتاج للهدوء ليصغي اليها، إنها اللحظة .. السحر القصير ، التي جعلتهُ يقف مشدوهًا أمام عينيها ، يرغبُ في أن يختفي بداخلها، ان يصير دمعة ، ذكرى تلمع في عينيها ، مرآة .
لم يعرفُ القراءة ، لكنهُ تعلمها في هذه اللحظة .. كيف لأميّ أن يترجم ابتسامتها لقصائد .
يمشي .. يتركها ، و يدرك أنها لم تكن مدفونة في الأرض كانت مدفونة في قلبه .. تدمعُ عينيه .. رثاءً على الطيورُ التي تنتظرُها لاطعامها ، على النباتات التي كانت تعتني بها ، كان يرثي كُل هذه الأشياء ليرثي لنفسه .
يؤمن بأبديتها في قلبه .. لأنهُ آمن بثبات الحبّ حين كانت على قيد الحياة .. لم تخفت مشاعرهُ الا لتعاود الاشتعال ، الحب الذي جعل من كل شيء ممكنًا مثل أن يرفعُ رأسه للسماء ، و يرى عينياها تومضان .. عيناها لم تموت .
*أفنان عبد الله
لم تعد طفلة التي عاشت أثناء الحرب ، رائحة الجثث جعلها تنضج ، اصبع أمها المحتضرة يشيرُ على أخيها الرضيع علّمها المسؤولية .
الحرب لم تدمّر بيتها و ألعابها فقط ، دمّرت تصوراتها عن المستقبل .. أحلامها ، أحرقت دانتيل فستانها الجديد و أحرقت قلبها .
الحرب سرقت بريق عينيها ، صارت تميّز حين كبرت من لم يفرّ من وطنه حين احتضر ،من البؤس القابع في عينيه ، تستطيع أن تحصي عدد الجثث التي رآها .
كيف للطفلة التي شمّت رائحة الموت على أجساد أهلها ، أن تخاف منه ؟ كيف يخافُ من عاش وحيدًا مظلومًا مخذولًا من الموت مادام سيحاسب بعدل .
*أفنان عبد الله
الجنون الذي بداخلنا , يحرّضنا على الحُب , على الكتابة , على الرقص اللامتزن و الضحك, على أن تكُون لنا طقوس مختلفة تهزّنا .. كلمات أُخرى تحرّك قلوبنا , غالبًا لا يفهمها الناس .
الجُنون .. الذي يجعلنا نتقدمُ خطوة إلى ذواتنا , أن ندخل العتمة دون أن نبالي .. لأننا نبحثُ عن الشخص المفترض أن نكُونه , الذي لا يصغي للقوانين و الأعراف و الأنظمة , الجُنون الذي يحررّنا .. يجعلنا نُحاول الطيران دون أن نعبئ بنظريات الجاذبية , أن السقوط لا يعني بالضرورة الموت .
الجُنون .. أن لا تفترقُ يدينا حتى عند النوم , أن نؤمن أننا انسان واحد .. يتألمُ منك عضو فيتادعى لهُ سائر جسدي بالسهر و الحمّى .
أن لا نعبئ بكل نظريّات الحب أو الكلمات التي تصفه , ما دمنا نملكُ نظريتنا .. كلماتنا , أغنيتنا .. قصيدتنا , سمائنا .. كوننا , بمعزل عن كُل الأشياء الواقعية في هذه الحياة .
الجنون الذي يجعلنا ندرك أن قلبك يستحيل أن يكسر قلبي , لأنك الكسر الأخر , لأنك الجزء المكّمل له , الجزء الذي ينتظرُ أن يلتأم بنصفه .
افهمني .. و سأفهمك , بمزاجيتي المجنونة , بنفسك الراكدة , و إن كان القطبين المعهودين في هذا العالم لم ينجذبا .. سننجذبُ نحن .
* أفنان
خرجتُ للحياة أتبعُ صوتًا ما .. نبض يشدّني ، يجذبني ، يدعوني للالتحام به ،
لماذا لا أجده ! هل كان في السماء ؟
لشدة ما تشبثت عينيّ و أفكاري بالفضاء .. صارت النجمة الوحيدة التي تتوهج بخجل قلبًا لي ..
قلبّ يحنّ لعوالم لا يعرفُ منتهاها , لأشخاص غير موجودين .. لأجنحة تخفيني تحتها , ثمّ تحيليني إلى ضوء يتوهج في العتمة , يتنقلُ أسرع من الهواء .
ماذا كنتُ قبل أن أجيء للحياة ؟ ماذا لو كنتُ صفحة من كتاب .. ماذا لو كنتُ كلمة مفقودة .. لو كنتُ أكمّل جزءً ناقصاً من قصيدة ، ماذا تعني حياتي الآن !
أنا التي خرجتُ من عالم صغير من بين ظلمات ثلاث .. لأواجهُ عالماً أكبر , يستوجب أن أمدد قلبي ليتسع حقائقه القاسية حتى لو تمزق .. حتى لو بكى حتى يصير ماء .
* أفنان عبد الله
شرحت لي عينيك الغموض في هذا العالم ، كانت تقع على السماء ، فأشعرُ أنها حديثة الخلق
تحُط على طائر فأتنفسُ أنا الحرية ..
تتأملُ البحر ، فأسمعُ أسرارْ الناس ..
لكنك تغمضُ .. فتتبعثرُ القصيدة التي نظمها العالم .
تنعسُ الشمس في عينيك .. فأُراقب الغروب فيهما كما يتأملُ الأعمى أولُ منظر يُعرض عليه من هذا العالم
أجري في مداراتهما ، يلهثُ قلبي ..يا الله ، أنا لمْ أتحرك من مكاني .
تُمسك يديّ ، تختفي التجاعيد .. لم يعد عُكازي .. إلا شجرة ياسمين .
كُل محاولاتي الفاشلة بالإنتحار ، تستحقُ هذه اللحظة .. كُل الشيب الذي أخذ مكانهُ في شعري ، لا يُهم ما دام قلبي عاد طفلاً صغيراً يركضُ في المرج الأخضر ، يبدو لهُ الماضي قصير و المستقبل طويل .
سأمسكُ بيدك و نبدأ بالاستكشاف .
* أفنان عبد الله
يغمض عينيه ، ينهار العالم ..
يبكي , ينهار قلبها .
تقرّب يدها من كتفه ، لكنها تتذكر أنها باردة جداً .. تدسها بجيبها , و تتأملُ الأرضية المتصدعة بعجز , ترفعُ عينيها .. لتقع على دموعه .. تسير ببطئ لتلتقي أخيراً .. ثم تنتحر , هل كان اللقاء مرّاً أم أن التلاحم لا يكون أبدياً إلا بهذا الموت الرحيم .
لو أمسكت يده الآن .. لو سقطت من السماء و يده بيدها هل ستموت ؟
لماذا تؤمن بأن لها أجنحة خفية !
ترتجف يديها , تحاول أن تواسيه لكن الكلمات تحتقن في حنجرتها.. ربما لأنها متزاحمة جداً .
لطالما كانت أنثى بوجه مختلف عن الشكل الحقيقي لروحها , نظرتها حادة , قلبها مكسور ..
ابتسامتها واثقة و قلبها لم يبتسم منذُ عصور .
لكن الرجل المحدب أمامها .. شفاف جداً , تفضحهُ هيئته قبل أن يتكلم .. تستطيع أن تميّز اللامبالاة من ساعته المتوقفة كأنه يبعث شتيمة للوقت الذي يتقاتل عليه الجميع أنه لا يهتم , أزرار قميصه الغير مرتبة .. يمشي دائماً و نظراته في كل التفاصيل غير وجوه الناس , كان يبدو حراً .. كمن لا يملك شيئاً ليخسره .
كان لا يملكُ أغنية مفضلة .. و لا يضعُ عطراً .. كان لا يحب القراءة , لكنهُ كان يملك فلسفة لم تتأثر بأفكار الآخرين .
هي لم تختار أن تحبه , هي انجذبت له كالمغناطيس .. أدركت , أن قلبه يتعطش للماء .. و أوردتها جزء من محيط .
و الآن .. تعرفُ أنه يبكي كالأطفال , لأنه لا يملكُ الكلمات .. لم تكن أمه موجودة يوماً لتعلمه كيف يقول أنا حزين .. علمهُ الفقر أن يطرق أبواب الناس ليخبرهم أنه جائع , لم يسأله أحد قبل أن يقدم له الطعام , هل أنت حزين ، لم يسأله أحد ما عن حاجته الحقيقية .
الذي عاش ككلب مشردْ .. عاش فيه الحب , ليصير مجموعة إنسانية ..مجموعة شمسية .. تبتسم كالخلود .
لا تقاطعه , لذا كان يجوب شوارع طفولته ليعود منها حزين ,
تمد يدها .. تشد على يده , يده الهزيلة التي التصقت بالصقيع بالماضي , الآن ، في يد امرأة تحبه .. لتمنحهُ أصدقاء جدد , حارة دافئة .. و حبل غسيل نظيف , و رائحة دافئة , آمنة كرائحة فطيرة التفاح الحارة .
* أفنان عبد الله